حسن الأمين
23
مستدركات أعيان الشيعة
أحدهما اسمه محمد قلي خان الأبيض ، والثاني : محمد قلي خان الأسود وأخبرا « علي مراد خان » أن « آقا محمد خان » منهمك في جمع رؤساء مازندران حوله وأن شانه يرتفع يوما بعد يوم ، ويخشى منه على ملك الزنديين ، بل إنه ، من اليوم ، بدأ يرى نفسه ملكا ، وحاشيته تعامله معاملة الملوك . وقبل أن يغادر طهران أعلن بأنه سيجعل منها عاصمة له . ولكن « علي مراد خان زند » ظل يستهين بالخصي القاجاري . وإذ أصر المحمدان اللاريجانيان ، على وجوب قمع « آقا محمد خان » قبل أن يستفحل أمره أكثر مما استفحل ، فقد قرر « علي مراد خان زند » أن يكتب رسالة إلى « أبو الفتح خان زند » ورسالة إلى خاله « زكي خان زند » يطلعهما على الأمر ، وأن يكتب رسالة إلى « آقا محمد خان » بهذا المعنى : « إذ اشتهر أن آقا محمد خان ابن المرحوم محمد حسن خان رجل ذو كفاءة فليس يجوز أن يظل وجوده متعطلا لا يستفاد منه . والخير في أن يحضر إلى طهران حين اطلاعه على ما أوليناه من مراحم ليسند إليه ما هو له أهل من المقام والمرتبة ويكون موضع الاعتماد في الانشغال بالخدمة » . ولكن « آقا محمد خان » لم يرد عليه جوابا . فثنى « علي مراد خان زند » برسالة أخرى فلم يتلق جوابا . فأيقن عندئذ أنه عازم على التمرد . وكتب بذلك إلى « أبو الفتح خان زند » وخاله « زكي خان زند » . فأجاباه بأنك ، وقد استطعت التغلب على ذو الفقار خان أمير خمسه ، يسهل عليك التغلب على « آقا محمد خان فهيئ جيشا وأرسله إلى مازندران وأومر بحمل » آقا محمد خان « منها إلى إلى طهران مكتوفا ، أو حمل رأسه [ نهزام ] انهزام علي مراد خان زند وجهز « علي مراد خان زند » جيشا جعل على قيادته كلا من « محمد قلي خان الأبيض » و « محمد قلي خان الأسود » اللاريجانيين . وكان هذان يعاديان « آقا محمد خان قاجار » ويخشيانه على نفوذهما وأموالهما في « لاريجان » . وقد بذلا مقدارا كبيرا من مالهما الخاص لتجهيز الجيش ، إذ كان « علي مراد خان زند » يعوزه المال اللازم لذلك . وذكر مؤرخو العهد القاجاري من الإيرانيين أن عدة هذا الجيش الذي ساقه « علي مراد خان زند » إلى حرب « آقا محمد خان » كانت ثمانين ألفا . ولكنه قول لا يقبله العقل . فقد كان كل ما يملكه « علي خان زند » وما بذله حليفاه من مال لا يفي بتجهيز مثل هذا الجيش . وقد بالغ أولئك المؤرخون هذه المبالغة تملقا للملوك القاجاريين على عاداتهم ، ليقال إن « آقا محمد خان » بلغ من الشجاعة والخبرة الحربية ما جعله يتغلب بالعدة القليلة من رجاله على هذا الجيش العرمرم ! والقرائن تدل على أن عدة جيش « علي مراد خان زند » لم تتجاوز عشرة آلاف أو خمسة عشر ألفا . ولكنه كان جيشا قويا ، والتحق به أيضا جماعة من أهل « لاريجان » . ولما بلغ خبر تهيؤ « علي مراد خان زند » لغزو مازندران إلى « آقا محمد خان » هيا جيشا وجعل على قيادته أخاه « جعفر قلي خان » وهيا الإخوان خطة محكمة لايقاع الجيش الغازي في الكمين . وكانت طريق هذا الجيش في مضيق جبلي من جبال مازندران الشجراء يعرف بمضيق « عباسآباد » . ووضع « جعفر قلي خان قاجار » كمينه في الأعالي المحيطة بهذا المضيق . فلما توسطه الجيش الغازي رماه الكمين من الأعالي بالرصاص ودحرجة الصخور وجذوع الأشجار . فلم يستطع دفاعا وألقى سلاحه ، وتبدد بين قتيل وأسير وفار . واستطاع القائدان اللاريجانيان الفرار ، إذ كانا في مؤخرة عسكرهما ، وعرفا بالكمين من أصوات الرصاص ، فعادا أدراجهما قبل أن يدخلا في المضيق . ويمكن القول إن انتصار جيش « آقا محمد خان » يرجع إلى دقته ودقة أخيه في التخطيط وخبرتهما العسكرية الفائقة من جهة ، وغفلة القائدين اللاريجانيين وغرورهما وجهلهما بالفنون الحربية من جهة أخرى . وبهذا النصر انفتحت الطريق إلى طهران لآقا محمد خان ، فسار من مازندران إلى « ورامين » ثم انطلق منها إلى طهران فدخلها واتخذ مسكنا له في العمارات التي أقامها « كريم خان زند » خارج السور الذي أقامه لها الشاه « طهماسب » الأول الصفوي . وذكر « غولدا سميث » الانكليزي أن تاجرا فرنسيا اسمه « نوه » ورد إلى طهران حين ورود « آقا محمد خان » إليها ، ومعه كتاب توصية من « كاترين الثانية » أمبراطورة روسيا ، ترجو فيه رؤساء إيران تسهيل أعماله وإكرام مثواه . ودخل هذا التاجر على « آقا محمد خان » فسر به ورحب . وإذ كان يجهل اللغة الفارسية ، ولم يكن في إيران يومئذ من يعرف اللغة الفرنسية فيكون ترجمانا بينهما ، وكان هذا التاجر قد سبق أن أقام مدة في إستانبول وتعلم اللغة التركية ، فقد دار الحديث بينه وبين « آقا محمد خان » بهذه اللغة . وطلب « آقا محمد خان » من زائره أن يطلعه على خارطة أوروبا وخارطة فرنسا ففعل . وشرح له بعض الأمور عن النظام الملكي الفرنسي ، وأخبره أن الملك اليوم في فرنسا هو « لويس السادس عشر » . وقد شوقت هذه الزيارة « آقا محمد خان » إلى تعلم اللغة الفرنسية . وكان ملما بعض الإلمام باللغة الروسية العامية بسبب إقامته في « أسترآباد » واتصاله بالملاحين والتجار الروس . فطلب من ضيفه الفرنسي « نوه » أن يعلمه اللغة الفرنسية ، وأخذ يتلقى عليه دروسا فيها . فتعلم الألفباء وتهجئة الكلمات . ولكن مشاغل الملك صرفته عن متابعة الدرس . وهو من بين ملوك القاجاريين ، أو من أقدم على تعلم لسان أوروبي غير اللسان الروسي . تمرد ذو الفقار خان أفشار وفي تلك الأيام بلغ إلى « آقا محمد خان » أن « ذو الفقار خان أفشار » أحد كبار أمراء « خمسة » - وقد مر ذكره - يهيأ جيشا عرموما يغزو به طهران . فاستعد « آقا محمد خان » للدفاع بان أقام في طهران حامية عسكرية وأوكل قيادتها إلى أخيه « جعفر قلي خان » ، وأمر الطهرانيين بالتمون وحفر الآبار لاستنباط ماء الشرب ، احتياطا للحصار إذا وقع على المدينة . وانطلق هو إلى « ورامين » لتجنيد الرجال . وكانت خطته أنه إذا حوصرت طهران قاوم أخوه الجيش المحاصر من الداخل وهاجمه هو من الخارج . ولما بدت مقدمة جيش « ذو الفقار خان أفشار » كانت الطليعة التي أرسلها « جعفر قلي خان » للاستكشاف قد قامت بمهمتها على أكمل وجه . وأبدى قائدها ، واسمه « قاسم خان فيروز كوهي » ، من الفنون العسكرية البارعة ما يجعله في مقدمة القواد العسكريين ، وهو الذي لم يدخل مدرسة حربية في حياته ، ولا تخرج من معهد عسكري . والناس يخالون أن فن « التمويه » الحربي هو من ابتكارات الغربيين .